فخر الدين الرازي

411

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

يعلم سبب العقاب ، يظن أن هناك ظلما فقال : هم فيها بسبب ترفهم ، والذي يؤيد هذه اللطيفة أن اللّه تعالى قال في حق السابقين : جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الواقعة : 24 ] ولم يقل : في حق أصحاب اليمين ، ذلك لأنا أشرنا أن أصحاب اليمين هم الناجون بالفضل العظيم ، وسنبين ذلك في قوله تعالى : فَسَلامٌ لَكَ [ الواقعة : 91 ] وإذا كان كذلك فالفضل في حقهم متمحض فقال : هذه النعم لكم ، ولم يقل جزاء لأن قوله : جَزاءً في مثل هذا الموضع ، وهو موضع العفو عنهم لا يثبت لهم سرورا بخلاف من كثرت حسناته ، فيقال له : نعم ما فعلت خذ هذا لك جزاء . المسألة الثانية : جعل السبب كونهم مترفين وليس كل من هو من أصحاب الشمال يكون مترفا فإن فيهم من يكون فقيرا ؟ نقول قوله تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ ليس بذم ، فإن المترف هو الذي جعل ذا ترف أي نعمة ، فظاهر ذلك لا يوجب ذما ، لكن ذلك يبين قبح ما ذكر عنهم بعده وهو قوله تعالى : وَكانُوا يُصِرُّونَ لأن صدور الكفران ممن عليه غاية الإنعام أقبح القبائح فقال : إنهم كانوا مترفين ، ولم يشكروا نعم اللّه بل أصروا على الذنب وعلى هذا فنقول : النعم التي تقتضي شكر اللّه وعبادته في كل أحد كثيرة فإن الخلق والرزق وما يحتاج إليه وتتوقف مصالحه عليه حاصل للكل ، غاية ما في الباب أن حال الناس في الإتراف متقارب ، فيقال في حق البعض بالنسبة إلى بعض : إنه في ضر ، ولو حمل نفسه على القناعة لكان أغنى الأغنياء وكيف لا والإنسان إذا نظر إلى حالة يجدها مفتقرة إلى مسكن يأوي إليه ولباس الحر والبرد وما يسد جوعه من المأكول والمشروب ، وغير هذا من الفضلات التي يحمل عليها شح النفس ، ثم إن أحدا لا يغلب عن تحصيل مسكن باشتراء أو اكتراء ، فإن لم يكن فليس هو أعجز من الحشرات ، لا تفقد مدخلا أو مغارة ، وأما اللباس فلو اقتنع بما يدفع الضرورة كان يكفيه في عمره لباس واحد ، كلما تمزق منه موضع يرفعه من أي شيء كان ، بقي أمر المأكول والمشروب ، فإذا نظر الناظر يجد كل أحد في جميع الأحوال غير مغلوب عن كسرة خبز وشربة ماء ، غير أن طلب الغنى يورث الفقر فيريد الإنسان بيتا مزخرفا ولباسا فاخرا ومأكولا طيبا ، وغير ذلك من أنواع الدواب / والثياب ، فيفتقر إلى أن يحمل المشاق ، وطلب الغنى يورث فقره ، وارتياد الارتفاع يحط قدره ، وبالجملة شهوة بطنه وفرجه تكسر ظهره على أننا نقول في قوله تعالى : كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ لا شك أن أهل القبور لما فقدوا الأيدي الباطشة ، والأعين الباصرة ، وبأن لهم الحقائق ، علموا أنهم كانوا قبل ذلك مترفين بالنسبة إلى تلك الحالة . المسألة الثالثة : ما الإصرار على الحنث العظيم ؟ نقول : الشرك ، كما قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : 13 ] وفيها لطيفة وهي أنه أشار في الآيات الثلاث إلى الأصول الثلاثة فقوله تعالى : إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُتْرَفِينَ من حيث الاستعمال يدل على ذمهم بإنكار الرسل ، إذ المترف متكبر بسبب الغنى فينكر الرسالة ، والمترفون كانوا يقولون : أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ [ القمر : 34 ] وقوله : يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ [ الواقعة : 46 ] إشارة إلى الشرك ومخالفة التوحيد ، وقوله تعالى : وَكانُوا يَقُولُونَ أَ إِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً إشارة إلى إنكار الحشر والنشر ، وقوله تعالى : وَكانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ فيه مبالغات من وجوه أحدها : قوله تعالى : كانُوا يُصِرُّونَ وهو آكد من قول القائل : إنهم قبل ذلك أصروا لأن اجتماع لفظي الماضي والمستقبل يدل على الاستمرار ، لأن قولنا : فلان كان يحسن إلى الناس ، يفيد كون ذلك عادة له ثانيها :